على مدى أربعة عقود، قامت السياسة الخارجية المصرية على صفقة مستقرة قوامها نحو 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية سنويًا، مقابل الحفاظ على اتفاقيات كامب ديفيد وضمان حرية الملاحة عبر قناة السويس. وبحسب البروفيسور شاهِر الشاهر، أستاذ مشارك في كلية الدراسات الدولية بجامعة صن يات-سن في الصين، كانت واشنطن تحصل من خلال هذه المعادلة على استقرار منخفض التكلفة، بينما تحصل القاهرة على ضمانة لبقاء النظام. لكن هذه الصفقة انكسرت فعليًا في عام 2024، لا بسبب تصويت في الكونغرس أو بيان صادر عن وزارة الخارجية، وإنما بفعل جماعة مسلحة في اليمن وأزمة مالية ضربت القاهرة.

 

وبحسب تحليله الذي نشره معهد الشرق الأوسط للسياسة والاقتصاد، بدأت ملامح التحول في العلاقات المصرية الأمريكية والصينية تتضح مع أزمة البحر الأحمر، بعدما أجبرت هجمات الحوثيين على حركة الملاحة التجارية على تغيير مساراتها، ما أدى إلى خسائر ضخمة لقناة السويس، في الوقت الذي كانت فيه مصر تواجه ضغوطًا متزايدة بسبب الديون ونقص العملة الصعبة. ويرى الكاتب أن بكين قدمت للقاهرة أدوات مالية واستثمارية أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصاد المصري المباشرة، ما دفع مصر إلى توسيع اعتمادها على الصين مع الإبقاء على تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة.

 

 

أزمة البحر الأحمر تكشف حدود المظلة الأمنية الأمريكية

 

عندما بدأت القوات الحوثية في اليمن استهداف السفن التجارية في باب المندب في نوفمبر 2023، اضطرت شركات الشحن العالمية إلى إعادة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح. وسرعان ما انعكست الأزمة على مصر بصورة حادة. ووفقًا للبيانات الرسمية لهيئة قناة السويس، تراجعت إيرادات القناة، التي سجلت مستوى قياسيًا بلغ 9.4 مليار دولار في السنة المالية 2022-2023، إلى 7.2 مليار دولار في 2023-2024، ثم انخفضت إلى معدل سنوي قدره 3.9 مليار دولار في مطلع 2024. وشهدت بعض الأشهر انخفاضًا في حركة المرور بنسبة 64% على أساس سنوي.

 

وخلال ستة أشهر فقط، خسرت مصر أكثر من 6 إلى 7 مليارات دولار من العملة الصعبة، في وقت كانت فيه في أمس الحاجة إليها لخدمة ديون خارجية بلغت 168.1 مليار دولار والتفاوض على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.

 

جاء الرد الأمريكي عسكريًا على نحو متوقع. ففي ديسمبر 2023، أطلقت الولايات المتحدة عملية «حارس الازدهار»، وهي تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر. وكان ذلك نموذجًا تقليديًا للدور الأمريكي في توفير الأمن، لكنه لم ينجح في إعادة حركة الملاحة إلى قناة السويس.

 

وارتفعت تكاليف التأمين على العبور في البحر الأحمر بنسبة 300%، فيما واصلت شركات شحن كبرى مثل ميرسك وهاباغ-لويد تجنب القناة حتى منتصف عام 2024. أما رد بكين فلم يكن عسكريًا، بل جاء ماليًا، وهو ما كان أكثر أهمية بالنسبة إلى مصر.

 

وفي أكتوبر 2023، أي قبل تصاعد الأزمة بشهرين، جدد بنك الشعب الصيني والبنك المركزي المصري اتفاقية مبادلة العملات الثنائية ووسعا قيمتها إلى 18 مليار يوان، أي نحو 2.5 مليار دولار. وأتاح ذلك للمستوردين المصريين تسوية معاملاتهم التجارية مع الصين باليوان والجنيه المصري، متجاوزين أزمة نقص الدولار الحادة التي أصابت الصناعة المصرية بالشلل.

 

وفي حين خُصصت المساعدات الأمريكية لشراء قطع غيار طائرات إف-16، وفرت السيولة الصينية التمويل اللازم لاستيراد القمح والأدوية ومدخلات الإنتاج للمصانع.

 

وفي الوقت نفسه، سرعت بنوك السياسة الصينية صرف التمويلات المخصصة لمشروعات اعتبرها المقرضون الغربيون غير مجدية تجاريًا. ودخل مشروع القطار الكهربائي الخفيف، الذي تبلغ قيمته 1.2 مليار دولار ويربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة، مرحلة التشغيل بعد أن نفذته شركة «أفيك إنترناشيونال». كما واصلت شركة «تشاينا ستيت كونستركشن إنجنيرينج كوربوريشن» أعمالها في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة، البالغة قيمتها 20 مليار دولار، بما في ذلك «البرج الأيقوني»، أطول مبنى في أفريقيا.

 

وفي العين السخنة، توسعت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر والصين «تيدا»، وهي أحد المشروعات الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق، لاستضافة أكثر من 140 شركة صناعية صينية، باستثمارات محققة تجاوزت ملياري دولار، وفقًا لرئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وليد جمال الدين.

 

كانت الرسالة التي وصلت إلى صناع القرار في القاهرة واضحة: تحمي الولايات المتحدة السفن التي تمر عبر مصر، بينما تساعد الصين الدولة المصرية نفسها عندما تتوقف تلك السفن عن المرور.

 

 

الصين تتحول إلى شريك اقتصادي واستراتيجي

 

يفسر هذا الواقع سبب تحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى محور رئيسي للتكامل الصيني المصري. فلم تعد المنطقة مجرد ممر للعبور، بل أصبحت قاعدة للإنتاج الصناعي. ولم تعد الشركات الصينية تكتفي بالمرور عبر مصر، وإنما بدأت التصنيع في العين السخنة لتصدير منتجاتها إلى أوروبا وأفريقيا مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بالعديد من الأسواق.

 

وفي عام 2023، بلغ حجم التجارة بين الصين ومصر 15.6 مليار دولار، لكن الأهم من ذلك أن رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في مصر وصل إلى 2.2 مليار دولار، بزيادة نسبتها 150% منذ عام 2018.

 

ولا يرى الكاتب أن هذا التطور يندرج ببساطة تحت سردية «دبلوماسية فخ الديون» التي كثيرًا ما تُستخدم لوصف مبادرة الحزام والطريق. فمصر، بحسب تحليله، ليست سريلانكا، إذ تمتلك القاهرة ورقة نفوذ هيكلية لا تمتلكها كولومبو، تتمثل في سيطرتها على ممر استراتيجي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات.

 

ويشير المقال إلى أن الصين تحتاج إلى قناة سويس مستقرة وفعالة أكثر من حاجة مصر إلى أي قرض صيني منفرد.

 

وما يتشكل في القاهرة هو نموذج متطور من سياسة التحوط، يطلق عليه الكاتب «الاعتماد المزدوج». وتعمل حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي على ترسيخ هذا النموذج من خلال الجمع بين منظومات الأسلحة والضمانات الأمنية الأمريكية من جهة، والبنية التحتية والقدرات الصناعية وشبكات الأمان المالي الصينية من جهة أخرى.

 

ولا تزال مصر حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تجري أكبر تدريباتها البحرية المشتركة، «حراس البحر»، مع الصين.

 

وبالنسبة إلى بكين، تمثل مصر مختبرًا مهمًا لمبادرتي «الأمن العالمي» و«التنمية العالمية». وتطرح مبادرة الأمن العالمي مفهومًا شاملًا للأمن يضم الأمن الاقتصادي.

 

ويرى الكاتب أنه إذا استطاعت بكين إثبات أن استثماراتها الصناعية وخطوط مبادلة اليوان ساعدت مصر على الحفاظ على قدرتها المالية خلال حصار في البحر الأحمر لم تستطع الأسطول الخامس الأمريكي منعه، فإنها ستكون قد قدمت سردية بديلة قوية لدول الجنوب العالمي.

 

وعندها لن يكون السؤال: «من يحميك من إيران أو الحوثيين؟»، بل: «من يدفع رواتب موظفيك عندما تنهار إيرادات قناتك؟»

 

 

أزمة قناة السويس تعيد تعريف التحالفات العالمية

 

بالنسبة إلى واشنطن، لا يكمن الخطر الاستراتيجي بالضرورة في انشقاق مصر عن المعسكر الأمريكي، بل في تحول أكثر تعقيدًا. فمصر لن تترك المدار الأمريكي، لكنها قد تتخذ خطوة أكثر تأثيرًا عبر إسناد المستقبل الاقتصادي لأهم أصولها الاستراتيجية إلى المنافس الرئيسي لواشنطن، مع استمرارها في الوقت نفسه كحليف أمريكي اسمي.

 

وستظل قناة السويس مفتوحة أمام حاملات الطائرات الأمريكية، وفقًا لما تقتضيه اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، لكن الموانئ المصرية وشبكات الجيل الخامس وكابلات الألياف الضوئية والمناطق الصناعية وجداول سداد الديون ستصبح، بصورة متزايدة، مرتبطة بالمعايير الصينية واليوان.

 

ولا تقتصر دلالات أزمة البحر الأحمر لعام 2024 على مصر. فإذا أصبحت الاضطرابات في البحر الأحمر، سواء بسبب اليمن أو السودان أو انخفاض مناسيب المياه المرتبط بالمناخ في قناة بنما، سمة شبه دائمة في حركة التجارة العالمية، فستواجه كل دولة تسيطر على ممر استراتيجي، من جيبوتي إلى عُمان والمغرب، الخيار نفسه الذي واجهته القاهرة.

 

ويخلص الكاتب إلى أن القوة العظمى التي تعوض خسائر إيرادات العبور، وليس تلك التي تكتفي بدورياتها في المياه، هي التي ستنجح في كسب اصطفاف هذه الدول على المدى الطويل.

 

ولم تعد صفقة قتاة السويس، وفقًا لهذا التحليل، تدور حول 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية، وإنما حول سؤال أعمق يتعلق بمن يمول قدرة الدولة على الحفاظ على سيادتها عندما تتعطل العولمة نفسها.

 

يرى شاهِر الشاهر أن هذا الدور لم تؤده واشنطن بالنسبة إلى أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وإنما أدته بكين.

 

https://mepei.com/how-the-red-sea-crisis-pushed-egypt-into-chinas-arms/